(تدبرات في قصة المراودة (1):
سبقت القصة بما يحدد مكانها وأشخاصها، بل وخصائصهم:
{وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا} فالمكان {من مصر}، والمشتري من ذوي المكانة: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض}، وأن يوسف كان إذ ذاك صبيا: {نتخذه ولدا}.
(تدبرات في قصة المراودة (2):
أول ما يواجهنا في القصة تلك الكلمة التي تختصر الحدث كله:{وراودته}، فهي تصور من أول لحظة الإعجاب الشديد من امرأة العزيز بيوسف، حتى طلبت فعل المنكر، كما تدل عليه صيغة الفعل الماضي:{وراودته}، وأنها بذلت قصارى جهدها في التحايل لأن المراودة دالة على رفق في الطلب ومجيء وذهاب، وصيغة المفاعلة (وهي المراودة هنا) تدل على التكرار.)
(تدبرات في قصة المراودة (3):
{التي هو في بيتها} ذكرت المرأة بالاسم الموصول (التي) دون اسمها، أو الإضافة (امرأة العزيز)، للمحافظة على السر، أو لاستهجان ذكره؛ ولإظهار كمال نزاهته، فإن عدم ميله إليها مع دوام مشاهدته لمحاسنها، واستعصاءه عليها مع كونه تحت ملكتها ينادي بكونه عليه السلام في أعلى معارج العفة والنزاهة.)
(تدبرات في قصة المراودة (4):
{وراودته التي هو في بيتها عن نفسه} في تعدية الفعل (راود) بحرف الجر (عن) سر، فإنه لما كانت المراودة تدل على الحركة، وكان حرف (عن) يدل على المجاوزة، فكأنها أرادت بكل حيلها وأنوثتها تجريده من نفسه هو؛ ليكون لها وحدها!)
(تدبرات في قصة المراودة (5):
{وغلقت الأبواب وقالت هيت لك} هذه أول خطوة قامت بها امرأة العزيز في سبيل رغبتها، وهي خطوة ذات شقين فعلي: {وغلقت الأبواب}، وقولي: {هيت لك}، وتشير كلمة {غلقت} إلى إحكام الغلق، وإلى كثرة الأبواب، تهيئة لفعل مرادها.)
(تدبرات في قصة المراودة (6):
{وغلقت الأبواب وقالت هيت لك} يلفت النظر هنا الإيجاز الشديد في ذكر هاتين الخطوتين (التغليق، والقول) ففيه إشارة إلى ضرورة الاختصار في كل ما يتعلق بهذه القضية، وعدم التطويل في سرد التفاصيل المحركة للغرائز.)
(تدبرات في قصة المراودة (7):
{قال معاذ الله} في إظهار قول يوسف عناية بإبراز ماتفوه به في تلك اللحظة مقابل ما تفوهت به، ليتضح الفرق بين لغة الشهوة والخيانة، ولغة العفة والوفاء!
وفي سبق التعوذ إلى لسانه دليل على عظم صلته بربه وقربه منه، وإلا فإنه لا يوفق لمثل هذا كل أحد!)
(تدبرات في قصة المراودة (8):
{إنه ربي} فذكر عنوان الربوبية هنا دون السيادة؛ لما فيه من الاعتراف بالمعروف والفضل، وهذا دليل على أن من المروءة ورفيع الأخلاق أن يحفظ الإنسان حق من أحسن إليه، فضلا عن أن يخونه، والسياق دال على أن المراد هو من رباه وقال: أكرمي مثواه، لا خالقه، لأنه المتبادر إلى مفهوم المرأة المتلقية للخطاب.)
(تدبرات في قصة المراودة (9):
{ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه}
صدر الأول بما يقرر وجوده من التوكيد القسمي {ولقد}، وعقب الثاني بما يعفو أثره من قوله عز وجل: {لولا أن رأى برهان ربه} الدال على قبح الزنا، وبما أن برهان ربه قد وجد، فالهم لم يوجد.)
(تدبرات في قصة المراودة (10):
{كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} شهد الله في هذه الآية على طهارة يوسف أربع مرات:
1) {لنصرف عنه السوء} واللام للتأكيد والمبالغة،وأن السوء صرف عنه، وهذا أبلغ من أن يصرف هو عن السوء.
2) {والفحشاء} فصرف عنه السوء والفحشاء.
3) {إنه من عبادنا} فأضافه إليه.
4) {المخلصين} وقرئت بفتح اللام وكسرها.)
(تدبرات في قصة المراودة (11):
{واستبقا الباب} ولم يقل: واستبقا (إلى) الباب:
1)لأن الاستباق ليس مقصودا لذاته بل هو وسيلة، والمقصود هو الباب، ولو قيل: استبقا إلى الباب، لكان الباب منتهى السباق، لأنه بتجاوز الباب يتغير المكان، والموقف كله، لذا كانت حريصة على منعه من ذلك.
2)وليشير إلى سرعة الوصول، حتى لكأنهما في لحظة قد وصلا الباب.)
(تدبرات في قصة المراودة (12):
{وقدت قميصه من دبر} وفي ذكر قد القميص، وتحديد مكان القد إشارة إلى أن يوسف هو الأسبق إلى الباب، وهذا يعني أنه هو الهارب وهي المطاردة.
وفي ذكر مادة (القد) دون (الشق) لأن القد لا يكون إلا طولا، وهذا أكثر مطابقة للواقع.)
(تدبرات في قصة المراودة (13):
{ما جزاء من أراد بأهلك سوء} ولم تقل: ما جزاء يوسف؛ فكأنها لا تريد أن يصيب معشوقها مكروه مقصود يؤذيه هو بعينه، لذا أخفت اسمه عند لحظة المواجهة، كما أن في ذلك تخفيفا من رد يوسف عليها، إذ لو أشارت إليه أو نسبت الأمر بصراحة إليه لربما حدث أمر آخر.)
(تدبرات في قصة المراودة (14):
في قولها: {بأهلك} بدلا من قولها: (بي) فائدة، وهي: إضافة نفسها إلى العزيز؛ لتثير عاطفته نحوها، ولتغريه بهذا الذي اعتدى على العزيز في أهله، وفي اختيار (الأهل) دون (الزوجة) ما يوحي بالاستقرار والراحة، كل هذا لتحفز زوجها على نصرته لها، وترويض خصمها، فهي تقيس هنا مجموعة مشاعر مختلفة، بين استغراب، وسؤال، ورهبة، وعشق، كل ذلك استطاعت استيعابه بخطاب شامل يدل على قدرة فائقة في ذلك.)
(تدبرات في قصة المراودة (15):
{إلا أن يسجن أو عذاب أليم} سبق السجن بـ(أن والفعل)، بينما جاء "العذاب" صريحا موصوفا، ولم يقل: (أن يعذب)؛ لأن لفظ السجن يطلق على البيت الذي يوضع فيه المسجون، ويطلق على مصدر سجن، فحتى لا يتبادر إلى الذهن الموضع فقط، ذكر الفعل مسبوقا بـ(أن) ليتحقق معنى الفعل، لأنه الذي فيه النكاية.)
(تدبرات في قصة المراودة (16): التعبير بـ{أن يسجن} لا يدل على الحبس الدائم، بل المراد سجنه يوما أو أقل على سبيل التخفيف، ولو أراد الحبس الدائم لقال: يجب أن يجعل من المسجونين، كما قال فرعون حين تهدد موسى عليه السلام في قوله: {لئن اتخذت إله غيري لأجعلنك من المسجونين}. (الشعراء: 29).
(تدبرات في قصة المراودة (17): ( قال هي رودتني ) (يوسف: 26). والمتوقع أن يقول : هذه راودتني ؛ واعلّ السرّ هم للإعلام بانصرافه عنها , وعدم اهتمامه بها ؛ لخيانتها , ولاتهامها لبريء , وهو موافق لما جبل الله عليه الأنبياء من حسن الأدب ولطف القول , فهي لما كنّت عن نفسها فقالت ( بأهلك ) . ولم تقل ( بي ) . كنى . عليه السلام . عنها بضمير الغيبة , فقال : ( هي رودتني ) , ولم يخاطبها , بــــ : ( أنت راودتني ) , ولا أشار إليها بــــ : ( هذه راودتني ) تأدُّبًا في اللفظ )
(تدبرات في قصة المراودة (18): {وشهد شاهد} تلحظ العناية بشأن الشهادة، حيث ذكرت في لفظين متجاورين، فـ(شهد) يمثل القيام بالفعل -وهو الشهادة- و(شاهد) يبين أن الذي قام بالفعل من أبرز صفاته: الشهادة، ولولا هذا المعنى لقيل: وشهد بعض أهلها، وتقييد الشاهد بكونه (من أهلها) فيه دلالة على قوة شهادته إذا شهد عليها؛ لأن المتوقع في مثل هذه الحالة أن يشهد لها، لا عليها؛ بسبب الحمية.)
من كتاب ليتدبروا أياته ( الجزء الثاني )