تشكو وزارة الصحة كباقي قطاعات الدولة من غياب الرؤية وعشوائية القرارات وانتشار المحسوبيات والفساد المالي والإداري الضارب بأطنابه في أعماق هياكلها التنظيمية وإجراءاتها النظامية وسياساتها المالية والإدارية.. والغرغرينا التي أصابت العديد من مفاصل الأجهزة الحكومية بما ينذر بخطورة الوضع وحتمية التخلي عنها وبترها إن لم تتم المعالجة لها بشكلٍ عاجلٍ وحاسمٍ وسريع.
إن بداية المرض- بالنسبة لوزارة الصحة- كان مع تعيين أول طبيب على رأس الهرم الإداري في الوزارة، إثر إشاعةٍ كاذبة أطلقها حزبه من زملاء المهنة: بأن المصلحة العامة تقتضي أن يكون الوزير والمدير العام ومدير المستشفى- وما أمكن من المناصب الإدارية الهامة في كافة الجهات التابعة للوزارة- أطباء!! ليتسنى لهؤلاء الأفذاذ كلٌّ حسب موقعه وقدراته وعلاقاته الشخصية، القيام بالدور المطلوب منه في خدمة المرضى والوطن والمواطنين!! إنها في الحقيقة أكبر خديعة للمواطنين ولأصحاب القرار والسيادة في هذا البلد الطيب.. بل هي خسارةٌ كبرى للوطن بإشغال تلك الكفاءات وإلهائهم عن أعمالهم الأصلية وتركها للأطباء الأجانب! وإغراء الطبيب السعودي الذي صرفت عليه الدولة، على تعليمه وتأهيله مئآت الآلاف من الريالات بالتنافس واللهاث خلف بهرجة المنصب الإداري وزخرف القيادة ووجاهة المركز الاجتماعي!!.
دعك مما تسمعه عن عمليةٍ أجريت هنا أو موعدٍ حُجز هناك، أو اسمٍ- وهمي- ينزل ليومٍ أو يومين في الجدول الأسبوعي للطبيب المدير؛ وعندما يأتي المريض للعيادة في الموعد المحدد لا يجد الطبيب الذي تم الحجز لديه، بل يجد محله طبيبًا وافدا يتولى المهمة نيابةً عنه أو ممرضةً آسيوية تقول له: سوري مدير ما في!! فالطبيب المدير مشغول يا عالم!!.. الطبيب المدير غير متفرغ يا صاحب القرار؛ {ما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه}.. أتشغلونهم في أعمال لا قبلَ لهم بها؛ ومهام لا علاقة ولا ارتباط من أي نوع بينها وبين الدراسة التي تلقوها أو التدريب الذي اجتازوه.. وتستعجلون في منحهم الألقابَ والدرجات التي لا يستحقونها بحكم أعمارهم وإنجازاتهم. ثم بعد ذلك تولولون وتشتكون من العجز في الأطباء السعوديين، ومن أن الطبيب السعودي والطاؤوس سواء؟!!...عجبي!!.
هل تعلمون متى وكيف يحصل الطبيب على لقب استشاري في الدول الأخرى؟!!.
هل تعلمون أنه يوجد في كل مستشفى لدينا- على الأقل- مدير المستشفى (طبيب) والمدير الفني (طبيب) وأننا لو أسندنا مهمة إدارة المستشفى لإداري متخصص في إدارة المستشفيات أو الإدارة العامة واكتفينا بالمدير الطبي أو الفني للبت في الأمور الطبية لوفرنا طبيبًا في كل مستشفى وفرغناه لخدمة المرضى!!
وعودًا على بدء؛ قام الطبيب الوزير فور توليه الوزارة بإلغاء دوام الفترتين ودوام الخميس في المستشفيات والمراكز الصحية!! وإنني هنا أتساءل: هل إلغاء الفترة المسائية في المراكز الصحية من مصلحة المواطنين؟!! وهل في صالح المريض أن يذهب للمركز الصحي القريب من منزله بكلِّ يسرٍ وسهولة؛ أم يتكبد المشقة والمعاناة- كما هو حاصلٌ الآن- في مراجعة أقسام الطوارئ بالمستشفيات؟!! أم أن هذا ينصب فقط في مصلحة ذلك اللوبي! بل وفي مصلحة الوزير شخصيًّا عندما يترك الوزارة ويعود لمهام عمله السابق!!
وأخيرًا وليس آخرًا.. تلك القرارات التي اتخذت، بعنصريةٍ مهنيةٍ بغيضة وتحيزٍ تام لهذه الفئة دون غيرها من منسوبي الوزارة، بصرف بدل سكن للطبيب السعودي مقداره (50000) ريال وأغلب رواتبهم- اللهم لا حسد- لا تقل كثيرًا عن هذا الرقم إن لم تزد عليه ولدى كثيرٍ منهم سكن، ومع ذلك يتقدمون بطلب البدل ويرفعون ضمن معاملة بدل السكن عقد إيجارٍ مزور من صاحب مكتب عقار باع ضميره بحفنةٍ من الريالات لا تتجاوز الـ500 ريال!! وي كأن قومي لا يعلمون!!.